الفيض الكاشاني
81
أنوار الحكمة
ما اختلف عليه دهر فيختلف منه الحال ؛ ولو وهب ما تنفّست عنه معادن الجبال ، وضحكت عنه أصداف البحار - من فلز اللجين « 1 » وسبائك العقيان ونضائد المرجان - لبعض عبيده ، لما أثّر ذلك في جوده ، ولا أنفد سعة ما عنده ، ولكان عنده من ذخائر الإفضال ما لا ينفده مطالب السؤّال « 2 » ولا يخطر لكثرته على بال ؛ لأنّه الجواد الذي لا تنقصه المواهب ، ولا يبخله إلحاح الملحّين ، و إِنَّما أَمْرُهُ إِذا أَرادَ شَيْئاً أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ [ 36 / 82 ] . الذي عجزت الملائكة - على قربهم من كرسيّ كرامته ، وطول ولههم إليه وتعظيم جلال عزّه ، وقربهم من غيب ملكوته - أن يعلموا من أمره إلّا ما أعلمهم ؛ وهم - من ملكوت القدس - بحيث هم في معرفته على ما فطرهم عليه أن قالوا : سُبْحانَكَ لا عِلْمَ لَنا إِلَّا ما عَلَّمْتَنا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ [ 2 / 32 ] . فما ظنّك - أيّها السائل - بمن هو كذا ؟ سبحانه وبحمده ؛ لم يحدث فيمكن فيه التغيّر والانتقال ، ولم يتصرّف في ذاته بكرور الأحوال ، ولم يختلف عليه حقب الليالي والأيّام . الذي ابتدع الخلق على غير مثال امتثله ، ولا مقدار احتذى عليه من معبود كان قبله ؛ ولم تحط به الصفات ، فيكون بإدراكها إيّاه بالحدود متناهيا ، وما زال - لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ - عن صفة المخلوقين متعاليا ؛ وانحسرت الأبصار عن أن تناله فيكون بالعيان موصوفا ، وبالذات التي لا يعلمها إلّا هو عند خلقه معروفا ؛ وفات - لعلوّه على أعلى الأشياء - مواقع وهم المتوهّمين ، وارتفع عن أن تحوي كنه عظمته فهاهة « 3 » رويّات المتفكّرين . فليس له مثل فيكون ما يخلق مشبها به ، وما زال - عند أهل المعرفة به -
--> ( 1 ) الفلذ - بكسر الفاء وسكون اللام - : كبد البعير . وأفلاذ الأرض كنوزها . أو بكسر الأول وفتح الثاني - جمع الفلذة - بمعنى الذهب والفضة . وفي محكي البحار عن التوحيد : فلزّ - بالزاء المعجمة مشددة - وهو اسم الأجسام الذائبة مثل الذهب والفضة والرصاص . اللجين - مصغرا - : الفضة . العقيان : الذهب الخالص . ( 2 ) السؤّال جمع السائل ؛ كطلاب جمع طالب . ( 3 ) هامش النسختين : الفهاهة : العيّ - ق .